عبد القادر الجيلاني
103
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
152 ] يعني به أبناء الآخرة ، فانظر من أبناء أيهما أنت ؟ ومن أي القبيلتين تحب أن تكون وأنت في الدنيا ؟ ثم إذا صرت إلى الآخرة فالخلق فريقان فريق في طلب الدنيا وفريق في طلب الآخرة ، وهم أيضا يوم القيامة فريقان ( فريق في الجنة وفريق في السعير ) فريق في الموقف قيام في طول الحساب في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون كما قال تعالى ، وفريق في ظل العرش كما أخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنكم تكونون يوم القيامة في ظل العرش عاكفون على الموائد ، عليها أطايب الطعام والفواكه والشهد أبيض من الثلج » « 1 » . كما جاء في الحديث : « وينظرون منازلهم في الجنة حتى إذا فرغ من حساب الخلق دخلوا الجنة » « 2 » ، يهتدون إلى منازلهم كما يهتدي أحد الناس في الدنيا إلى منزله ، فهل وصلوا إلى هذه إلا بتركهم الدنيا واشتغالهم بطلب الآخرة والمولى . وهل وقع أولئك الحساب وأنواع الشدائد والذل إلا لاشتغالهم بالدنيا ورغبتهم فيها وزهدهم في الآخرة وقلة المبالاة بأمرها ونسيان يوم القيامة وما سيصيرون إليه غدا مما ذكر في الكتاب والسنة . فانظر لنفسك نظر رحمة وشفقة ، واختر لها خير القبيلتين وأفردها عن أقوال السوء من شياطين الإنس والجن ، واجعل الكتاب والسنة أمامك وانظر فيهما واعمل بهما ، ولا تغتر بالقال والقيل والهوس . قال اللّه تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ [ الحشر : الآية 7 ] ولا تخالفوه فتتركوا العمل بما جاء به وتخترعوا لأنفسكم عملا وعبادة كما قال عزّ وجلّ في حق قوم ضلوا سواء السبيل وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ [ الحديد : الآية 27 ] الآية ، ثم إنه زكي هو عزّ وجلّ نبيه صلى اللّه عليه وسلم ونزهه عن الباطل والزور فقال عزّ وجلّ : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ( 4 ) [ النّجم : الآيتان 3 ، 4 ] أي ما آتاكم به فهو من عندي لا من هواه ونفسه فاتبعوه . ثم قال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : الآية 31 ] فبيّن أن طريق المحبة اتباعه قولا وفعلا ، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال : « الاكتساب سنّتي ، والتوكل حالتي » « 3 » أو كما قال ، فأنت بين سنته وحالته وإن ضعف إيمانك فالتكسب الذي هو سنته وإن قوي إيمانك فحالته التي
--> ( 1 ) روى نحوه الطبراني في الكبير ( 11 / 125 ) . ( 2 ) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ( 7 / 23 ) . ورواه الطبراني في الأوسط ( 3 / 249 ) بنحوه ، وقال الهيثمي : وهو ضعيف . ( 3 ) لم أقف عليه .